الأربعاء، 27 أكتوبر 2010

التمييز العنصري في السعودية .. مثال التمييز حسب الجنسية


التمييز العنصري في السعودية .. مثال التمييز حسب الجنسية

في مطلع يوليو من العام 2008 سئل وزير العدل السعودي في مقابلة صحفية في (الشرق الأوسط) عن التمييز ضد غير السعوديين في المملكة فما كان منه إلا ان نفى وجود التمييز مستدلاً بأنه قد "أصبحت الأيدي العاملة هي مطلب للجميع، وأصبح الفني مطلوبا، وعندما قامت المدن الاقتصادية بدأت تقدم مبالغ ومغريات لاستقطاب الفنيين المهرة. فالفكر الإنساني ثمين في العالم" وبغض النظر عن الخلط هنا بين الفكر الإنساني والعمل المهني المحض أقف متسائلاً حول هذا الإستدلال، لأن سبب إرتفاع أعداد الراغبين في العمل في المملكة راجع للتكسب بغض النظر عن وجود التمييز، وهذه ظاهرة عالمية، بل إن هذا التكسب يجعل بعض الفئات من الشعوب التي وقعت تحت الإحتلال تعمل-للأسف- لدى المحتل رغم عنصريته.


في نفس الفترة من الشهر وفي مقابلة مع صحيفة الوطن وصف رئيس منتدى جدة للمياه إعطاء الأولوية في الحصول على صهاريج المياه للسعوديين دون غيرهم بأنه "غير صحيح، ولا إنساني، ولا يتناسب مع منطقة مكة المكرمة التي يجب أن تكون نموذجا إسلاميا في التعامل. وعلى المسؤولين عن هذا الأمر أن يتوقفوا عن ذلك. يجب أن نتعامل مع المواطن أو غير المواطن بمعيار الإنسانية أولا وأخيرا" وهو كلام حكيم ووصف دقيق كم كنت أتمنى لو أنه لا ينطبق في السعودية إلا على حالة توزيع الصهاريج.


فتخيل لو أنك غير سعودي تحيا في المملكة، فأنت حتى لو ولدت فيها وحتى لو كنت متفوقا في الدراسة فإن المؤكد أنك ممنوع من دخول جامعاتها، وإذا توظفت فأنت ستأخذ غالباً راتباً أقل من راتب السعودي– وهذا التمييز مشرع له ومدون فيما يخص رواتب أعضاء هيئات التدريس الجامعية- وإذا مرضت لن تعالج على حساب الدولة، ولن تتمكن من بدء تجارة مستقلة - إلا إذا كنت من دول مجلس التعاون الخليجي أو إن كان رأس مالك نصف مليون ريال فما فوق - مما يكرس فقر الفقراء من غير السعوديين ويضعهم في دائرة محكمة من الجهل والمرض والفقر وكأنه ليس من حقهم التقدم في الحياة، كما أن صاحب العمل (الكفيل) – علماً أن لفظي (كفيل) و(مكفول) ملغيان من قبل مجلس الوزراء منذ العام 1421 – يتحكم في سفرك للخارج وفي تجوالك داخل البلد بل الكثير من أصحاب العمل يحتفظ بجواز سفر العامل وجوازات سفر أفراد عائلته وبالتالي في حال النزاع قد يبتزك بها مقابل التنازل عن حقوقك ومستحقاتك، وهو ما سجلته الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان في تقريرها عام 2006 المنشور على موقعها الإلكتروني والذي تؤكد فيه على أنها رصدت "فروقا كبيرة بين المواطن والمقيم من حيث الحقوق والحريات" وأنها رصدت  كذلك "قيام بعض منسوبي الشرطة بالتعدي على المقيم بالضرب أو الحبس لمدة يوم أو يومين دون مسوغ نظامي (تأديباً) له على مخالفات بسيطة، وقد يتعدى ذلك إلى عقوبة تبعية أو تكميلية وهي عقوبة الإبعاد عن الدولة والترحيل". ورغم قرار مجلس الوزراء رقم 166 الصادر عام 1421 والذي يكفل العديد من حقوق المقيمين إلا أنه يظل غير مطبق كما لاحظت الجمعية التي أوصت بإلغاء نظام الكفالة كلياً والبحث عن حلول أخرى وهو ما قامت به إثر أربع سنوات من البحث بإصدارها لدراسة بعنوان (إلغاء أحكام الكفالة وتصحيح العلاقة بين صاحب العمل والعامل الوافد) والذي رأيته من أفضل أعمال الجمعية إلى اليوم.


لا شك ان هناك بعض الإجراءات في الدولة تتطلب تقسيم الناس حسب الجنسية، ولكن على أن يكون تقسيماً موضوعياً ذو صلة بالإجراء المطلوب، نص التقرير مثلاً على أن "ليس للمقيم الحق في الرعاية الصحية بالمستشفيات العامة بالمجان أسوة بالمواطن إلا بعد المرور بالكثير من الإجراءات الروتينية" ونحن نتسائل هنا ما دخل الجنسية في الصحة؟ أو ما الأسباب الموضوعية التي تجعل لصاحب العمل سلطة على العامل الغير سعودي في أمور خارج نطاق العمل تماماً كزواجه أو سفره أو آداءه للحج، وغيرها من سلطات غير شرعية تتحول بسهولة لممارسات لاإنسانية واضعةً غير السعودي في موضع (ناقص الأهلية) كما ذكرت دراسة الجمعية. علماً أنه كما أن لبعض هذه الممارسات سند قانوني للأسف فإن الكثير منها ليس له أي سند قانوني وبعضها مخالف صراحة للقوانين ولكنها واقع مشاهد على نطاقات واسعة وليس فقط كممارسات فردية، ومن أشد هذه الممارسات لا أخلاقية ولا إسلامية الإتجار بالبشر والإتجار بالفيز والذي ذكرته الدراسة ذاتها فتلاها إعلان وزارة العمل بتشديد العقوبات على من يقومون بـ"المتاجرة في التأشيرات والإخلال بالالتزامات التعاقدية والاستخدام غير الإنساني والمعاملة غير الإنسانية وغير الأخلاقية للعمالة الوافدة بالإضافة إلى إيقاع عقوبات على المنشآت التي تؤخر صرف أجور عمالها" وهو الموضوع الذي طرح الآن في مجلس الشورى بتفاصيل أوسع، مثلما حصل سابقاً في البحرين والكويت بالتعاون مع منظمة العمل الدولية ، وحصل كذلك في الإمارات وقطر، لمكافحة هذه الجريمة النكراء التي لم يعد من مجال لإنكارها كما صرح د. زهير الحارثي عضو مجلس هيئة حقوق الانسان والمتحدث الرسمي باسمها لصحيفة الشرق الاوسط أن "هنالك بعض صور الاتجار بالبشر موجودة في السعودية لا يمكننا أن ننكرها أو نلغيها ولكن يمكننا تحجيمها مثل اساءة العمالة المنزلية والاطفال المتسولين" مؤكداً أن ظاهرة الاتجار بالبشر هي "صورة من صور العبودية المعاصرة" بينما أكدت دراسة الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان "إختلاط أحكام نظام الكفالة بمفهوم الرق" وأثبتت ذلك من المعاهدات الدولية.


والحق يقال أننا لا نطالب بإعطاء غير السعوديين جنسية سعودية بالضرورة، وإنما نطالب بإعطائهم حقوقهم الإنسانية. فلا الجنسية السعودية ولا غيرها من الجنسيات لها قداسة أو ميزة على ما سواها من الجنسيات. علماً أن الإنسان إخترع الجنسيات والحدود والأوراق الرسمية بهدف حماية الإنسان وحفظه، ولا حاجة لنا بهذه الإختراعات متى ما صارت تقتل الإنسان وتؤدي عكس المفترض منها.

بقي في هذا الموضوع الشائك ملاحظة البعض أن هناك جنسيات (متفوقة) حتى على الجنسية السعودية ويتم التجاوز عنها إذا ارتكبت مخالفات بسيطة، ويتم تمثيلها دوماً بمسؤولين من سفارات دولهم في القضايا الكبيرة، وهذا أيضاً تمييز غير مقبول ولا معايير موضوعية تحكمه.


إن تصحيح هذه الأوضاع بما ينهي التمييز والظلم ويكفل حقوق غير السعوديين -وحقوق أصحاب العمل كذلك- ضروري في دولة ترفع راية الإسلام وشريعته.

الكاتب : أحمد صبري

عشْ واقعكَ ولا تسرحْ من الخيالِ ، وحلّقْ في عالمِ المثالياتِ ، اقبلْ دنياكَ كما هي ، وطوِّع نفسك لمعايشتها ومواطنتِها ، فسوف لا يصفو لك فيها صاحبٌ ، ولا يكملُ لك فيها أمرٌ ، لأنَّ الصَّفْوَ والكمال والتمام ليس من شأنها ولا منْ صفاتِها .

 همسة من همسات لآتحزن